حكم نقل الأعضاء والتبرع بها.
السؤال :
السلام عليكم هل يجوز التبرع بأعضاء الجسم بعد الموت؟ وجزاكم الله خيرا
الفتوى :
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:
فقد اختلف العلماء المعاصرون في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
1- لا يجوز نقل الأعضاء الآدمية مطلقاً، سواء أكانت أعضاء كافر أم كانت أعضاء مسلم".
2- يجوز نقلها مطلقاً.
3- القول بالتفصيل، وهو أنه يجوز نقل الأعضاء الآدمية من الحي والميت، ولكن بشرط ألا يكون الشخص المنقول منه العضو مسلماً، وعلل القائلون بهذا القول ذلك بما يلي:
ا-أن الحاجة أو الضرورة -إذا وجدت- يمكن دفعها بغير المسلمين خصوصاً أنهم لا يمانعون في ذلك، فقوانينهم تبيحه بضوابط معينة.
ب- أن الأصل يقتضي حرمة المساس بجسد المسلم بالجرح أو القطع حياً كان أو ميتاً فوجب البقاء على الأصل حتى يوجد الدليل الموجب للعدول والاستثناء منه، إذ الأدلة المانعة من النقل كلها تتعلق بالمسلم، وأما الكافر فلا.
وعلى هذا فلا يجوز للمسلم التبرع بأعضائه بعد الموت، لأن من شرط صحة التبرع أن يكون الإنسان مالكاً للشيء المتبرع به، أو مفوضاً في ذلك من قبل المالك الحقيقي، والإنسان ليس مالكاً لجسده، ولا مفوضاً فيه، لأن التفويض يستدعي الإذن له بالتبرع وذلك غير موجود، وأيضاً فإنه لا يجوز بيع أعضاء الآدمي.
بقيت الإشارة إلى مسألتين: التبرع بالكلية حيث أجاز الكثير من العلماء التبرع بالكلية إذا دعت الحاجة إلى ذلك، وقرر الأطباء المختصون أنه لا خطر على صاحبها في نزعها منه، وأنها صالحة لمن نزعت من أجله، كما أجازوا نقل القرنية ( قرنية العين من إنسان بعد التأكد من موته، وزرعها في عين إنسان مسلم مضطر إليها، وغلب على الظن نجاح عملية زرعها، مالم يمنع أولياء الميت ذلك، وكأن هاتين المسألتين استثناء حيث لم يشترطوا في الشخص المنقول منه أن يكون كافراً _فيما أعلم_ بل يمكن أن يكون مسلماً، ويمكن للسائل الكريم أن يرجع إلى رسالة دكتوراة بعنوان: أحكام الجراحات الطبية، للدكتور محمد بن محمد المختار الشنقيطي.
والله أعلم
المفتـــي: مركز الفتوى
حكم نقل الأعضاء من المحكوم عليه بالقصاص
السؤال
ما حكم نقل الأعضاء من المحكوم عليه بالقصاص، وذلك من ناحية نقل الأعضاء التي لا يعيش بدونها ومن ناحية نقل الأعضاء التي يعيش بدونها؟
الفتوى
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:
فقد بينا من قبل حكم نقل الأعضاء من الإنسان وزراعتها لإنسان آخر، والشروط التي يباح بها ذلك، ولك أن تراجع في ذلك الفتوى رقم: 4388.
ولا فرق في هذا بين المحكوم عليه بالقصاص وبين غيره، لأن المحكوم عليه بالقصاص معصوم الدم إلا من ولي المقتول، قال الشيخ خليل بن إسحاق رحمه الله: إن أتلف مكلف… معصوماً للتلف والإصابة.. إلى قوله: كالقاتل من غير المستحق فالقود عينا…
وحتى ولي الدم نفسه لو قطع عضواً من القاتل بعد أن سلم إليه فمن حق القاتل أن يقتص له منه، قال الشيخ خليل بن إسحاق رحمه الله تعالى: وإن فقئت عين القاتل أو قطعت يده، ولو من الولي بعد أن أسلم له فله القود..
والله أعلم.
المفتـــي: مركز الفتوى
أما الفتوى التى أرجح قراءتها بعناية هي فتوى الشيخ السعدي رحمه الله وهي كالآتى :
السؤال : هل يجوز أخذ جزء من جسد الإنسان وتركيبه في إنسان آخر مضطر إليه برضى من أخذ منه؟
الجواب :
جميع المسائل التي تحدث في كل وقت، سواء حدثت أجناسها أو أفرادها، يجب أن تتصور قبل كل شيء، فإذا عرفت حقيقتها، وشخصت صفاتها، وتصورها الإنسان تصورًا تامًا بذاتها ومقدماتها ونتائجها، طبقت على نصوص الشرع وأصوله الكلية، فإن الشرع يحل جميع المشكلات، مشكلات الجماعات والأفراد، ويحل المسائل الكلية والجزئية، يحلها حلاً مرضيًا للعقول الصحيحة، والفطر المستقيمة، ويشترط أن ينظر فيه البصير من جميع نواحيه وجوانبه الواقعية والشرعية، فنحن في هذه المسألة قبل كل شيء نقف على الحياد حتى يتضح لنا اتضاحًا تامًا للجزم بأحد القولين، فنقول: من الناس من يقول: هذه الأشياء لا تجوز؛ لأن الأصل أن الإنسان ليس له التصرف في بدنه بإتلاف أو قطع شيء منه أو التمثيل به، لأنه أمانة عنده لله، ولهذا قال تعالى:{وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة} [البقرة: 195] والمسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه.
أما المال، فإنه يباح بإباحة صاحبه، وبالأسباب التي جعلها الشارع وسيلة لإباحة التملكات.
وأما الدم، فلا يباح بوجه من الوجوه، ولو أباحه صاحبه لغيره، سواء كان نفسًا أو عضوًا أو دمًا أو غيره، إلا على وجه القصاص بشروطه أو في الحالة التي أباحها الشارع، وهي أمور معروفة ليس منها هذا المسؤول عنه.
ثم إن ما زعموه من المصالح للغير معارض بالمضرة اللاحقة لمن قطع منه ذلك الجزء، فكم من إنسان تلف أو مرض بهذا العمل، ويؤيد هذا قول الفقهاء: من ماتت وهي حامل بحمل حي، لم يحل شق بطنها لإخراجه ولو غلب على الظن أو لو تيقنا خروجه حيًا، إلا إذا خرج بعضه حيًا، فيشق للباقي، فإذا كان هذا في الميتة، فكيف حال الحي؟!فالمؤمن بدنه محترم حيًا وميتًا.
ويؤخذ هنا أيضًا أن الدم نجس خبيث، وكل نجس خبيث لا يحل التداوي به، مع ما يخشى عند أخذ دم الإنسان من هلاك أو مرض، فهذا من حجج هذا القول.
ومن الناس من يقول: لا بأس بذلك؛ لأننا إذا طبقنا هذه المسألة على الأصل العظيم المحيط الشرعي، صارت من أوائل ما يدخل فيه، وأن ذلك مباح، بل ربما يكون مستحبًا، وذلك أن الأصل إذا تعارضت المصالح والمفاسد، والمنافع والمضار، فإن رجحت المفاسد وتكافأت منع منه، وصار درء المفاسد في هذه الحال أولى من جلب المصالح، وإن رجحت المصالح والمنافع على المفاسد والمضار، اتبعت المصالح الراجحة، وهذه المذكورات مصالحها عظيمة معروفة، ومضارها إذا قدرت، فهي جزئية يسيرة منغمرة في المصالح المتنوعة.
ويؤيد هذا أن حجة القول الأول، وهي أن الأصل أن بدن الإنسان محترم لا يباح بالإباحة، متى اعتبرنا فيه هذا الأصل، فإنه يباح كثير من ذلك للمصلحة الكثيرة المنغمرة في المفسدة بفقد ذلك العضو أو التمثيل به، فإنه يباح لمن وقعت فيه الأكلة التي يخشى أن ترعى بقية بدنه؛ يجوز قطع العضو المتآكل لسلامة الباقي، وكذلك يجوز قطع الضلع التي لا خطر في قطعها، ويجوز التمثيل في البدن لشق البطن أو غيره، للتمكن من علاج المرض، ويجوز قلع الضرس ونحوه عند التألم الكثير، وأمور كثيرة من هذا النوع أبيحت لما يترتب عليها من حصول مصلحة، أو دفع مضرة.
وأيضًا فإن كثيرًا من هذه الأمور المسؤول عنها، يترتب عليها المصالح من دون ضرر يحدث، فما كان كذلك، فإن الشارع لا يحرمه، وقد نبه الله تعالى على هذا الأصل في عدة مواضع من كتابه، ومنه قوله عن الخمر والميسر:{قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [البقرة: 219]
فمفهوم الآية أن ما كانت منافعه ومصالحه أكثر من مفاسده وإثمه، فإن الله لا يحرمه ولا يمنعه، وأيضًا فإن مهرة الأطباء المعتبرين متى قرروا تقريرًا متفقًا عليه، أنه لا ضرر على المأخوذ من جسده ذلك